هاشم معروف الحسني
506
سيرة المصطفى ( ص ) ( نظرة جديدة )
وكان سعد بن معاذ قد أصيب بسهم في أكحله قطع عرقا منه خلال حصار الأحزاب للمسلمين نزف منه أكثر دمه وأصبحت حياته مهددة بالخطر ، وكان قد قال حين اصابه السهم : اللهم ان كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فابقني لها فإنه لا قوم أحب إلي من أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه ، اللهم ان كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعلها لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة . وكان النبي بعد رجوعه من الخندق امرهم ان يضعوه في خيمة رفيدة في المسجد ليكون قريبا منه ، لأنها كانت تعالج الجروح الصعبة وتداوي الجرحى ، فلما اختارته قريظة ليكون حكما بينها وبين النبي ( ص ) اتاه قومه من الأوس واحتملوه وأقبلوا به إلى رسول اللّه ، وهم يقولون يا أبا عمرو أحسن في مواليك ، فإن رسول اللّه انما ولاك ذلك لتحسن فيهم ، فلما أكثروا عليه قال : لقد آن لسعد ان لا تأخذه في اللّه لومة لائم . فرجع عند ذلك بعض من كان معه من قومه إلى دار بني عبد الأشهل ونعوا لهم رجال بني قريظة قبل ان يصل إليهم سعد بن معاذ ، وأيقن بنو عبد الأشهل ان سعدا لا ينسى لهم غدرهم برسول اللّه ونقضهم العهود التي كانت بينهم وبينه ، وانهم ان خرجوا من المدينة كما خرج بنو قينقاع والنضير سيحتلون الدور الذي مثلوه بالأمس ، وربما يشتد خطرهم ويستعصي على المسلمين بعد ذلك استئصالهم . ولا شك ان النبي ( ص ) كان يرى فيهم هذا الرأي ، ولو كان يحتمل فيهم ان يهادنوا المسلمين ولو احتمالا خفيفا لم يقدم على ما أقدم عليه ، لأنه لم يكن يلجأ إلى السيف الا لعلاج أخير لا يرى بديلا عنه وهو القائل لذة العفو خير من لذة الانتقام وإذا ظفرت في خصمك فليكن العفو أحلى الظفرين ، ولكنه كان يائسا من مهادنتهم للمسلمين مهما صنع معهم من الخير والاحسان .